تفسير الاحلام حسب الحروف الابجدية



حلم و تأويل رؤيا الحلم من الشيطان

باب : خلاصة الكلام في الرؤى والأحلام




سبق لنا معاشر القراء الكرام أن بيّنا في العدد السابق شيئاً من الإيضاح والبيان حول التفريق بين الرؤيا والحلم، والفاصل في هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) رواه البخاري ومسلم.

فتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: (من الشيطان): قال الكرماني: (أي: على طبعه، وإلا فالكل من الله سبحانه وتعالى). (شرح البخاري: 24-113).

فالحلم يضاف للشيطان كما هو سائغ من إضافة الشيء المكروه إليه، وإن كان الكل منه تعالى، وعلى هذا جاء هذا الحديث الشريف، والحلم (بالضم) هي: (الأحلام جمع حلم، وهي الرؤيا مطلقاً، وقد تختص بالرؤيا التي من الشيطان)، (فتاوى ابن الصلاح 1-142).

وهذا الحلم هو من تلاعب الشيطان ليحزن الرائي ويخوفه، كما ثبت عند مسلم في صحيحه من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رأيت كأن رأسي ضرب فتدحرج، فاشتددت على إثره. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: (لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك). رواه مسلم (4-1776).

فمن علامات الرؤيا المكروهة أو الحلم أنه يكون معها ضيق صدر وهم وقلق واضطراب للنفس والقلب، ولهذا أدخل أهل العلم (الجاثوم) من هذا القبيل، فهو من الشيطان، ومن علامات الحلم أيضاً أن كل معصية وإثم وذنب يرى، في المنام فهو داخل في هذا القسم، ترى أنك تقطع مصحفاً، أو تسرق، أو تزني، أو تأكل حراماً، أو تتعامل بالربا، أو تغش، أو تعق والديك، أو تقطع رحمك - والعياذ بالله - إلى غير ذلك، كل ذلك حلم من الشيطان ليحزنك؛ ولهذا أدخل أهل العلم (الاحتلام) من الشيطان، لذا أوجب الشارع الاغتسال منه.

ومن العلامات أيضاً نسيان تلك الرؤيا أو ذاك حلم من الشيطان ليحزنك؛ ولهذا أدخل أهل العلم (الاحتلام) من الشيطان، لذا أوجب الشارع الاغتسال منه.

ومن العلامات أيضاً نسيان تلك الرؤيا أو ذاك المنام، فلا يتذكر ولا يرسخ للرائي منها شيء، أو يتذكر الشيء البسيط منها، أو قد لا يبقى إلا تلك النتف المتهالكة في الذهن.

ومن الفوارق أيضاً والعلامات لتمييز الحلم أن يرى النائم صوراً ومناظر متناقضة ومتداخلة، ولا يعرف أولها من آخرها أو هي من المستحيلات التي لا يمكن أن تقع، كمن يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ما لا يليق، أو يرى سمكاً يطير في السماء، أو يرى نجوماً في الأرض، أو فيلاً تحول لنملة، كما قال ذلك ابن خلدون - رحمه الله - في مقدمته.

ولهذا كان ينبغي على المسلم ألا يسأل عن كل ما يرى في منامه، بل يسكت ولا يخبر بها أحداً، ويتوكل على الله، فلا يضره ما رأى أبداً، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره، فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لا تضره).

وفي رواية لمسلم يقول أيضاً راوي الحديث: (إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث، فما أباليها)، فتأمل وتدبر كثيراً في قوله: (فإنها لا تضره)، وفي قوله أيضاً: (فما أباليها)، فإنها بعد توكلك بالله سبحانه وتعالى تكفيك: (إنها لا تضره)، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل تلك الآداب النبوية في التعامل مع الرؤى والأحلام والكوابيس في عدد قادم. والله ولي التوفيق والسداد.

وقفة: (تلدين غلاماً شاعراً).

رأت أم جرير بن الخطفي في المنام، وهي حامل بجرير: كأنها ولدت حبلاً من شعر أسود، فلما سقط منها جعل يقع في عنق الرجل فيخنقه، ثم يقع في عنق آخر فيخنقه، حتى خنق رجالاً كثيراً، فانتبهت مرعوبة، فقصت الرؤيا على بعض المعبرين فقال: تلدين غلاماً شاعراً ذا شر وشدة وشكيمة وبلاء على الناس، فلما وضعته سمته (جريراً) باسم الحبل الذي رأته قد خرج منها. والله تعالى أعلم.

(*) الرياض





المصدر: جريدة الجزيرة السعودية العدد 12580 تاريخ 2007-03-09 - عايض بن محمد العصيمي




Twitter Digg Facebook Delicious StumbleUpon